المزيد من الاقسامالمزيد  
  بحث متقدمالمزيد
 
  • "ذاكرة الجسد" ...تلفزيونياً
    عندما قدّمت أحلام مستغانمي مخطوط روايتها «ذاكرة الجسد» الى الكاتب سهيل إدريس عام 1993 راغبة في أن يقرأها ويبدي رأيه فيها، لم يكن يخيّل اليها أنّ صاحب «الحي اللاتيني» سيتحمس لها ويدرجها سريعاً في... [التفاصيل]
  • الوقوع في حب آنّا كارنينا الوقوع في حب آنّا كارنينا
    ذات يوم، في 1873، التقط تولستوي كتاباً كان أحد أبنائه قد تركه مُلقى، وبدأ يقرأ مدخل إحدى قصص الكتاب لزوجته بصوت مسموع: «وصل الضيوف الى البيت الريفي». كان هذا الكتاب لبوشكين. فقال تولستوي:... [التفاصيل]
  • غالية قباني تكشف أسرارا وأكاذيب غالية قباني تكشف أسرارا وأكاذيب "
    في لغة استعارية تصويرية متميّزة، تعيد غالية قباني في «أسرار وأكاذيب» (دار رياض الريّس) تركيب صورة عائلة دمشقية مخلّعة الأوصال ومتناثرة الأجزاء، تنتسب الى تلك الطبقة البورجوازية التي بدأت تفقد... [التفاصيل]
  • "صابون" رشا الأطرش له رائحته الخاصة
    على «صهوة» الوصف، اختارت الزميلة رشا الأطرش أن تحمل روايتها الأولى «صابون» («دار الساقي» - 2010)، حتى لو ناءت به البنية الدرامية لهذا العمل. ويلاحظ أن الزميلة الأطرش، التي عملت طويلاً في الصحافة،... [التفاصيل]
  •  إعدام ذاكرة ؟ إعدام ذاكرة ؟
    نجيب محفوظ ليس قليلاً حتى ينسى. لكن ماذا تعني الذكرى الرابعة لرحيله؟ هل نحتفل ونكتب ونقيم مهرجانات وندوات أم نترك المناسبة تمر بهدوء كأن شيئاً لم يكن؟ لا تخص هذه المسألة نجيب محفوظ بالذات، بل... [التفاصيل]
     
التصويت
هل  أصبحت المواقع الإلكترونية الثقافية تنافس المجلات الثقافية المطبوعة؟ هل أصبحت المواقع الإلكترونية الثقافية تنافس المجلات الثقافية المطبوعة؟
نعم
لا
أحيانا


عدد المصوتين عدد المصوتين : 108
تصويت سابق تصويت سابق
  
الرئيسية الرئيسية » صحافة عربية » طفلة العصور


طفلة العصور طفلة العصور

أنسي الحاج () الأحد, 14-فبراير-2010   03:02 صباحا

طفلة العصور

مرّ شريط وثائقي على قناة فرنسيّة عن مارلين مونرو. توهُّجٌ ملؤه الفراغ وفراغ ملؤه الضياع. وحين لا ضياع، هدى النامفومانيا والمهدّئ والمنوّم. طيّات من الأسى والدموع والوحشة، الوحشة، الوحشة. صحراءٌ من الرجال وأوقيانوس من الظلال. فاتنةٌ ظنَّها الناس مصّاصة دماء وهي فريسة. فريسة الفرسان واللاشيء. حفنةُ جمالٍ ظاهرها حرير ولحم وفحواها سذاجة ورعب.
أنا من الذين لم يحبّوا تمثيلها ولا رأوا فيها ما صُمّم لها من دور الرمز الجنسي. أحسستها طفلة معذَّبة تفتعل المرح ليَقْبلها الكبار. وبَدَل الجاذب الجنسي الأسطوري وجدتُ جاذب اليتم والخوف والتيه وخدعة الإغراء. جعلت منها هوليوود ممثّلة المجون الأنثوي الطائش وكلّ لحظة من حياتها كانت تستحقّ الشفقة.
لعلّها مثَّلت للسينما رغماً عنها، ثم أصبح كلّ شيءٍ إدماناً. كانت تعترف بأنّها تفضّل التقاط الصور لها على تمثيل الأفلام، فالصورة تعفي من الكلام، وهي تتعثّر بالكلام، كأنّه كذبٌ أو استعارة. الصورة الصامتة وجودٌ بلا فحص، حضورٌ في غياب، ظهورٌ مَحميّ، إثارةٌ بلا بَعْثَرَة، فستانٌ جذّاب ولا شيء تحته: الزيّ الأمثل.
امرأةٌ مُهداةٌ لم يستطع رجلٌ أن يمتلكها ليريحها من حريّتها. جوعٌ ليس أنّه لم يعرف الارتواء بل هو قبلاً لم يعرف حدوده: جوعُ الفجوةِ المطلقة، الساعية إلى مستحيل، المقدَّمة كتفّاحةٍ تعود وتنبت فور أكْلها، لأنّ شكلها تفّاحة ومادتها هواء. هواءٌ رائع شائع في العدم، العدم الذي هو صحراء هؤلاء الناس الذين لا يرقون، لا فرادى ولا جماعات، إلى صعيد القدرة أو الرغبة في ملء فجوةٍ نفسيّة واحدة، فجوة وحشة واحدة، فجوة روحٍ منهارة في جسدٍ متلألئ.

عَبَرت الشاشة كما عَبَرت الحياة: عموميّاتها تفترس خصوصيّاتها وخصوصيّاتها تفترس عموميّاتها، وجميعها ينهشها غولُ الصحافة ووحش الجمهور. وهبت جسدها كلَّ راغبٍ ولم تَسْبر إلاّ في سراب. أعطاها الجمال رداءه الخالد وحَرَمَتْها الحياةُ السلام. انهمرت على دمها سيول المهدّئات ولم تَحْظَ بقطرةِ راحة. عشيقة المخيّلات بقيتْ طفلة وحيدة ترتجف من البَرْد.
وكما رَفَّهَتْ، أَثْقلتْ. ليس هناك أشدّ وطأةً من حاملِ فراغه. كلّ جالسٍ قبالته يوبّخه ضميره. ولا يُقَلْ إن للآخرين أيضاً مشكلةً مع الفراغ، فالفراغ لا يصبح مشكلة كيانيّة، مشكلة حياة أو موت، إلاّ لذوي المشاعر المسنونة، وكلّما ازداد هربهم من الفراغ ازداد تطويقه لهم. ولا يُقَل إن الفراغَ هو فيهم وليس في الوجود، فهو فيهم لأنه امتداد للوجود، وكلّما تمادى واديه تعمّقاً فيهم تجلّى البرهان أكثر فأكثر على كون الوجود، إن لم نخترعه بأوهامنا وأحلامنا، يتركنا نتخبّط في الهاوية ونتدحرج من كابوس إلى كابوس.

نورما جين، اسمها قبل القناع، ابنة العلاقة العابرة لأبٍ لم تعرفه وأمٍ معتلّة الأعصاب انتهت في مصحّ للمجانين، تَعاقب على تربيتها العديد من أهل التبنّي ولم تجد في أحدٍ منهم حناناً تصبو إليه، حتّى عُهد بها، في التاسعة من عمرها، إلى ميتم. ولمّا شبّت احترفت مهنة الموديل، إلى دورٍ أو اثنين في فيلمين ثانويين قبل أن تبدأ وثباتها في عالم الشهرة. ومن زوج إلى زوج ومن علاقة إلى علاقة حتى وصلت إلى ذروة العلاقة مع الأخوين كينيدي وإلى ذروة أدوارها في «المهزومين» إلى جانب كلارك غيبل ومونتغومري كليفت، أَمّا ذروة زيجاتها فكانت من الكاتب آرثر ميللر، وكان اقترانها به نوعاً من اللجوء إلى وجود معنوي تأمل منه أن ينشر حولها الأمان وفي نفسها الاستقرار الذي لم تذُق طعمه. ولكنها كانت كمَن يلجأ من طوفان إلى صحراء. ولم تلبث أن عاشت مغامرة مع الفنّان الفرنسي إيف مونتان، لمناسبة فيلم مثّلته وإيّاه، وكانت تلك هي الضربة القاضية على زواجها.
وظلّت تغوص في ليلها حتى ما قيل إنه انتحار بالجرعة الزائدة من المنوّم، وما قيل إنه قَتْل لأسباب سياسيّة. إلهةٌ بيضاء حمراء قضت طحناً بين هوليوود الخادعة المتوحّشة وسراب العلاقات الأكثر توحُّشاً. بَنَتْ مجداً على العذاب، وتلك النظرة المدهوشة في عينيها ظلّت مدهوشة، ممتزجة بيأسٍ مطّرد، حتى النهاية.

في حوارٍ بينه وبين الجنرال ديغول يسأل الرئيس وزيره: «لماذا يبدو الجمال النسائي قناعاً؟ أعطيك مثلاً على ذلك، المنحوتات الإغريقيّة واللوحات الإيطاليّة والسينما...»، فيجيبه مارلو: «إنه الماكياج (...) الفنّانون يخترعون الحلم والنساء يجسّدنه».
عزيزي الأستاذ مارلو، لعلّ الماكياج يأتي فوق القناع وليس هو ما يصنع القناع. القناع، القناع الذي لا صنْعة فيه ولا حيلة حياله، القناع هو الوجه نفسه. القناع هو روح المرأة. إنه هو الفرق بينها وبين الرجل وبينها وبين جميع كائنات الطبيعة. للرجل قناع، بلى، لكنّه مصنوعٌ من النفوذ أو الوجاهة، السلطة أو الإجرام، الرياء أو الذكاء، البسالة أو الادّعاء. قناع المرأة ابن طبيعتها، وقد عزّزه نداءُ ملايين السنين، روحٌ صادرٌ من أعمق أعماق وجودها، وجودها السابق للرجل، والمختلف كليّاً، في حلمه وفي دعوته، عن مشروع الرجل. عزيزي الأستاذ مارلو، قناعُ المرأةِ الذي يستحيل علينا انتزاعه، ليس اختراع الفنّانين، بل العكس، إبداع الفنّانين يستوحي هذا القناع ويستلهم إشعاعات سحره اللانهائيّة. هم الفنّانون، وأوّلهم الرسّامون والشعراء، الذين أدركوا بحدسهم بعض ما يقوله وجه المرأة، ولامسوا بمخيّلاتهم بل بغرائز أرواحهم بعض ما ترسلهم إليه أفياء هذا الوجه وأنواره وهمساته ومداعباته ولغاته ولهجاته. إنّها المرأةُ التي عكستْ صورتها في خيال الفنّانين فظنّوا عند التعبير عنها ومن وحيها، أو ظنّ سواهم، أنّهم هم الذين يخلقونها من رؤوسهم.
في الأولمب، مقرّ الآلهة، لم تُعطَ أُلوهَةُ الجمالِ لذَكَر بل لأنثى. لم يُعطَ الرجل إلاّ التخويف.
وليس صحيحاً أيُّ زعمٍ عن آلهةِ جمالٍ شرّيرة. كلّها أساطير اخترعها الرجال. وهذه روحكِ تَشْهد، أيّتها الإلهة الشهيدة مارلين، يا طفلةَ العصور.

 عن صحيفة الأخبار اللبنانية

   

طفلة العصور اضافة تعليق

شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق عليه من قبل المحرر .

  
 
طباعة مقال المفضلة حفظ مقال تعليق
ارسال طباعة المفضلة تعليق حفظ
مقالات سابقة
مدير التحرير : لنا عبدالرحمن
© جميع الحقوق محفوظة لموقع نقطة ضوء 2005 - 2010
خدمة Rss خدمة Rss   خريطة الموقع خريطة الموقع   التحرير التحرير Free counter and web stats

Powered by DevelopWay
برمجة وتصميم : طريق التطوير