التصويت
التصويت
كيف ترى أثر  الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟ كيف ترى أثر الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟
- أدى الى تراجع الدور الثقافي
- لم يؤثر على الثقافة.
- ساهم في نهضة الثقافة


عدد المصوتين عدد المصوتين : 99
تصويت سابق تصويت سابق
أراء وكتاب
مقالات مختارة
الكاتب : حبيب سروري
الكاتب : أمير تاج السر
  
الرئيسية الرئيسية » الضفة الثالثة » رسائل غرامشي.. حتمية الحياة من أعماق السجن


رسائل غرامشي.. حتمية الحياة من أعماق السجن رسائل غرامشي.. حتمية الحياة من أعماق السجن

رامي أبو شهاب (القدس العربي :) الخميس, 07-ديسمبر-2017   01:12 صباحا

رسائل غرامشي.. حتمية الحياة من أعماق السجن

لا شك في أن المفكر والمناضل الإيطالي أنطونيو غرامشي، يعدّ من أبرز المفكرين الذين قدموا للعالم تصورات عميقة تتصل بثنائية المثقف والسلطة، فضلا عن بناء منهج سياسي متكامل عرف بالغرامشية، فقد كان موقف غرامشي واضحا من السلطة، التي تسعى لتمكين الأذرع كي تهيمن مجموعة على الشعب، أو ذاك المقهور الذي لا يمتلك دفع الظلم عنه.

ولعل هذا التسنين الذي آمن به غرامشي دفعه إلى تعريف المثقف، وتحديد أدواره بغية تفكيك هذا النسيج الخطابي، والعملي من قبل السلطة، وبهذا فإن الإصلاح الذي دعا إليه غرامشي ينهض على رفض مفهوم الهيمنة على الثقافة من أجل تمكين الحكم، أو السلطة، التي سرعان ما اعتقلت غرامشي، فسجن، وعذب إلى ما قبيل وفاته. إذن نحن أمام شخصية آمنت بالمفعول الثقافي لمواجهة السلطة، ورفض تحكم المفاصل السلطوية في قطاعات عامة، لا تمتلك وعيا بالمشكلة الثقافية، فتمكين المثقفين من دورهم سوف يؤدي إلى تكوين فعل مضاد لتحقيق النموذج الإصلاحي الذي دعا إليه غرامشي.
في كتاب «شجرة القنفذ « الصادر عن دار التكوين 2016 ـ نقرأ رسائل خطّ معظمها غرامشي في السجن، تمثل فرصة لنتأمل فيها هوامش إنسانية هذا المثقف الماركسي، في ضوء واقعه بما حمله من إكراهات وآلام، ومخاضات كبيرة؛ إذ ناضل وكتب وشارك في عدة مجلات وهيئة ثورية، إلى أن قبض عليه سنة 1927، وفي عام 1929 سمح له بالكتابة في السجن، وهناك صاغ مؤلفه الأهم «دفاتر السجن»، وبمرور الأيام عانى الرجل من النكسات الصحية التي كانت تُضعف شيئا فشيئا من كيانه الجسدي حتى أطلق سراحه في 1935، ولكنه سرعان ما توفي سنة 1936.

جوانب من الفهم المختلف
الرسائل التي بين أيدينا والتي ترجمها إلى العربية الشاعر السوري أمارجي تقدم لنا جانبا من جوانب الفهم المختلف لغرامشي الذي يجعل من رسائله الموجهة لزوجته وشقيقتها، وولديه تعاليم إنسانية لا تعدم عمقا فكريا، وهي تأتي بحذق ومهارة، وخفّة، كونها تتخفف من نبرات الوصاية، أو التذمر، أو المبالغة، فهو في رسائله ينقل لنا بعضا من الأحداث والوقائع التي يختبرها في السجن، ويترك في الرسالة مساحات من التأمل لأفكار يبدو ظاهرها شديد البساطة، ولكنها تحتفي بفيض من الدلالات التي تعمل بوصفها انعكاسات لغرامشي وتموضعه في هذا العالم، وفيها تبدو طفولته خزانا كامنا في اللاوعي، يستحضره كي ينقله إلى ابنيه، والعالم، فالرسائل تكشف عن بواطن القيمة الشعورية لإدراك مكامن القوة وانعدام العدالة، بكل ما يجاور ذلك من أحلام بالتغيير، فالمهنة التي كان يتمناها غرامشي في طفولته أن يكون حاجبا لقاضي الصلح، عدل عنها، لكونه لا يحفظ قوانين الدستور، حيث فضل أن يخرج في مظاهرة، هذه القصة من الطفولة تشي بموقف لا مباشر يحيل إلى أن قيم القانون التي ينبغي أن تحفظ من قبل الحاجب، كانت شديدة الوهن والضعف، فكلب الحاجب يمثل القوة التي سوف تقضي على المستبدين الذين يتجاوزن القانون، وما حكايات القنافذ التي تقتل الأفاعي إلا سبيل لفهم غرامشي للعالم للمقاومة، إنها أفكار يرغب بنقلها إلى ابنيه تتصل بفلسفات ظاهرها بسيط غير أنها عميقة، فالحكايات تحمل معاني العمل والمثابرة والشجاعة بمنحى رمزي، فلا جرم أن يطلب من زوجته أن تسأل ابنيه عن الانطباع الذي تخلفه القصص التي تتضمنها رسائله، كقصة الثعلب الذي لا يهاب الأطفال، ولكنه يفر هاربا عندما يسمع دوي إطلاق الرصاص.

لا ريب في أن فهمنا للرسائل سوف يندرج ضمن قراءة ذات طبيعة حرة لتفكيك الدلالات التي تندرج بين تضاعيفها، فنحن لا نملك إلا النزول عند مفاهيم رولان بارت في قراءة النص، بوصفها حالة من حالات اللامعنى اليقيني، أو فعل إنتاج آخر، إنها فسحة من قراءة تتقصى تأويلات شخص امتلك يقين الفكرة، ودافع عنها، ومع أن غرامشي لم يكن سوى تفصيل صغير في زمنه، ولكن قيمته ألهمت الكثيرين، فلا جرم أن يلق تقديرا بعد وفاته، بوصفه مناضلا مفكرا راديكاليا تجاه ما يؤمن به من قيم. إن خصوصية غرامشي لا تكمن بما كان يؤمن به من أفكار وحسب، إنما بنهجه الذي بدا فاعلا في إطلاق مفاهيم جديدة للنضال ضمن سياقات معنى التوازن الإنساني، وهذا لن يترجم إلا بعلاقة بنيوية ينهض بها المثقف، الذي عليه أن يكون شديد الإخلاص لما يؤمن به، وأن يتخفف من ذاتيته، لقد كان غرامشي التجسيد المثالي والأكثر جمالا في هذا المجال، شأنه في ذلك شأن فرانز فانون الذي حاول أن يخرج من طور التنظير إلى طور النضال الفعلي، ولا سيما حين انتقل للجزائر بهدف النضال ضد الاستعمار الفرنسي.
تكشف الرسائل، السجن الذي نما أولا في روح غرامشي، وما تسبب به عزل الرجل عن عالمه، غير أنه لم ينل من روحه، فقد كان غرامشي معنيا بتأثيث عوالم ولديه خاصة، وأسرته عامة بحكايات من طفولته، وبهذا فإنه يقيم تواصلا بين عوالم ولديه، وعوالم طفولته الخاصة، بوضع جسر ممتد بين عالمين نقيين، طفولته وطفولة ولديه، وبذلك فهو يتجنب السجن بوصفه غير حاضر، وكريها، فيقصيه بعيدا عن مدار حديثه، كونه يجعل من الإنسان منسيا أو لامرئيا، وهذا ما يعني أن غرامشي يبني عالمه على تفاؤل، ولكنه تفاؤل جمالي يسعى لنقله إلى ولديه، وللأجيال التي ستأتي… إنه وعي جدلي يستلهم قوته من تفاؤل ثوري، تميز به غرامشي، وترجمه عبر فلسفته التي صاغها في رسائله، وكتبه، فهو في كثير من كتاباته، ولاسيما رسائله، يتمحور حول مكونات إنسانية تتسم بقيمتها الشديدة للإيمان بالحياة، عالم بلا حدود، شاسع، وفضاء رحب، قوامه البحر، والغابة، والأشجار، والحيوانات، كالعصافير، والضفادع، والأفاعي والأسود… وبعض الحكايات العالمية، أو من التراث، كما ثمة تعلق واضح بمكان مولده، ونشأته، وطفولته، وما عايشه من خبرات، وتجارب حينما كان صغيرا، وكأن من يكتب هذه الرسائل لم يكبر، وبقي طفلا، يؤمن بأن العالم لم يتعرض لهذا القدر من القبح.
إن من يقرأ رسائل غرامشي لن يصدق بأي حال من الأحوال بأن كاتب هذه الرسائل يقبع في السجن يعاني المرض والعزلة، فلا عجب أن يقرع ابنه «جوليانو» على شكايته المتكررة في المدرسة، فيطلب منه بلغة حازمة في إحدى الرسائل أن يقوم بعمل الواجب عليه فعله، حيث يقول غرامشي موجها كلامه لابنه جوليانو «إذا ما وجب عمل شيء، وجب عمله من غير تشك، من غير عويل كالجراء الرضيعة، وبطريقة نستخلص عبرها منه، وكل المكاسب»، وهذا ما يتكرر مرة أخرى في رسالة يحدث فيها ابنه عن الدراسة، وأهمية التعامل معها بذكاء، بالإضافة إلى التمرس على المواظبة والفعل، وعدم الركون إلى اللعب واللهو. هذه الفقرة تنقل لنا نهجا من بنية عقلية عميقة في وعي غرامشي، الذي يؤمن بالفعل، والحياة، والواجب، ففي رسالة لابنه يعاتبه على رسالة كتبها الابن بشكل نزق ومتسرع، فيقدم غرامشي للطفل نصيحة بأن على الإنسان أن يجلس على المكتب لينضد أفكاره ويدونها، متسلحا بالوعي الرصين، وهو أمر صعب كما يصفه غرامشي، ولعل هذا النهج في التفكير يبرر نقد غرامشي للمثقف القائم في بطانة السلطة، متخلّيا عن واجبه تجاه أمته، ومشاركا في تكريس الاستبداد، وبهذا فإن قيمة هذه الخطابات تكمن بكونها تنضح بأفكار وتمثيلات فلسفية، أراد غرامشي من خلالها أن يشيد منهج حياة، إنها خطابات تختلف عن دفاتر السجن التي حملت منهجية تفكير سياسي صارم، أتت من لدن مناضل حاول أن يعنى بالمنهجيات التي تتصل بالسياسة، ومبادئ الاقتصاد، وأدوار الإنسان بوصفه حاملا للإرادة.
في واحدة من الرسائل التي يجيب فيها على رسالة ابنه الذي يطلب من والده السجين أن يكتب عن أشياء مهمة، وهذا يعني بالضرورة أن الطفل يرغب في قطع التخطيط الذي ارتضاه غرامشي، بهدف إقامة عالم منبت الصلة بالسجن، أو ذاك العالم الذي يصل طفولة غرامشي وكيانه الطبيعي بكيان ولديه، غير أن الطفلين كبرا، وبدآ يبحثان عن الأب، ولكن بوجهه الآخر، ولكن هذا الأب لا يريد أن يعوق سلسلة التطور الطبيعي لحياة طفليه، يرغب بأن يستمتعا بطفولتهما، وبمراهقتهما إلى آخر قطرة، فهو يرغب بأن يقيم تواصلا جماليا، لا متوترا بين طفليه، وأسرته عامة، إنه يبحث في رسائل عائلته عن نمط طبيعي من الحياة لا يستطيع أن يتحصل عليه في السجن، ولهذا فإن الرسائل تقيم عالما محاذيا، أو فوقيا «استعارة» يتجاوز من خلاله غرامشي السجن؛ ولهذا يكثر من طلب الرسائل التي يتحدث فيها ولداه عن يوم كامل استمتعا فيه بالبحر. وهكذا تبدو ملامح شخصية غرامشي بطابعها الإنساني، فهو الرافض لقيم التشاؤم والشكوى، يرغب بأن يحاكي تأملاته بالمقاومة، وبأدوار المثقفين الذين ينبغي لهم أن يبعثوا التفاؤل في حياة الشعوب، وأن يسعوا لمقاومة الاستبداد والسلطة.

العالم من كوة سجن
في رسائل غرامشي ثمة هامش لنعرف كيف يرى هذا السجين العالم من كوة سجنه، كتبه المفضلة، ورؤيته تجاه التاريخ، والخيال، والشعراء الذين يفضلهم، ومنهم بوشيكن وهوميروس، وغيرهم، بالتجاور مع آرائه في روائيين وكتاب قصة، ومنه تشيخوف، وتورغينيف، وغوركي، وتولستوي، أضف إلى ذلك مقدار القيمة التي يمثلونها بوصفهم كتابا تقدميين، فضلا عن وجهات نظر كثيرة ومتعددة يصوغها بقالب خطابي بسيط، يحاور فيه عائلته، ويقيم فهما لعالمه المتغير آنذاك. في رسالة نقرأ مقدار انتشاء غرامشي واحتفائه بالحياة بوصفها تجربة، ومغامرة، تكتشف من خلال الانغماس فيها، فعلى الإنسان عدم الاكتفاء بالكتب والقراءة، إنه يقيم مقارنة بين طفولته، وطفولة ولديه، فالطفل بات أكثر عقلنة مع وجود ألعاب التفكير التي تقوم على الفك والتركيب، مما يفقد الطفل معاني الإحساس بالحياة والانغماس بالطبيعة، هي تصورات وأفكار رجل قابع خلف الجدران، لا يمتلك سوى فضاءات من الذكريات، ومتخيل يتمحور حول عالم لامثالي، يشرع بجعله مثاليا للآخرين، وهنا تكمن القيمة والمفارقة، فغرامشي ما زال على إيمانه بالقيم، وما ينطوي عليه العالم من توهج التجربة، ولكن ثمة إحساسا بالقطع، وهذا ما يعلله أو يجسده بقصة حول المردة الإسكندنافيين الذين يتحدثون مع بعضهم بعضا، وهم بعيدون حيث يصل كلامهم بعد ثلاثمئة سنة، هكذا يشعر غرامشي في محاوراته مع زوجته، فالزمن يقضم الأشياء واللغة.

دورة حياة السجن
في رسائل قليلة يكتب غرامشي عن دورة حياته في السجن، موقع زنزانته، كتبه التي يستعيرها، طعامه، يومياته في السجن، وحتى في هذه الجزئية التي تتطلب شيئا من النفور والتشكي، نراه يكتب بحيادية كاملة، لا شيء فيها من المبالغة والتهويل، وكأنه ارتضى قدره، وتعلم أن يفيد منه بأكبر قدر ممكن، كأن يتعلم الألمانية، ويكتب، ويقرأ. في إحدى الرسائل لزوجته، يعلن بأنه صحافي حر، وبأنه يرفض أن يبيع قلمه، كما يرفض أي تصورات تبنى على الأعراق، نافيا ورافضا كافة التمثيلات والأنماط التي تلتصق ببعض الأعراق، ولكن الأجمل ما يعبر عنه ضمن تصوره القيمي المتفائل بأن سجنه بكل ما يحمله من مرارة لمن حوله، فإنه لا يراه سوى فصل من فصول النضال السياسي، ومع أن السجن نزع عنه الضحك، إلا أنه بات أكثر حكمة، مع المحافظة على لذة الحياة.
في الجزء الثاني من الكتاب، الذي يحمل لافتة رسائل جديدة، نجد أن معظم الرسائل بدت أكثر طولا، ومع ذلك فإن نزعته ما زالت كما هي، من حيث زجر الشكوى والتشاؤم، والإيمان بحتمية العودة إلى أسرته، ولقائهم مرة أخرى، وبين تفاصيل هذه الحتمية، ثمة محاولات لفهم الأمور وتفسيرها، مع إشارة إلى معاني المسؤولية القائمة بين وجوده العضوي بوصفه مثقفا، ووجوده الآخر بوصفه إنسانا عاديا (أبا وزوجا وابنا لأم عجوز).
وختاما لا بـــــد من الإشــــارة إلى أن ثمــــة ملحقين في نهاية الكتاب: الأول حمل قصــــيدة طويــــلة بعـــنوان رماد غرامشـــي للشاعر بيــير باولو بازوليني، والثاني يعرض لبعض صور لغرامشي في مراحل مختلفة من حياته، ما يضفي على الكتاب تكاملا في فهم أبعاد هذه الشخصية، وقيمتها الثقافية والإنسانية.

   

رسائل غرامشي.. حتمية الحياة من أعماق السجن اضافة تعليق

شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق عليه من قبل المحرر .

  
 
خيارات متاحة

طباعة مقال المفضلة حفظ مقال تعليق
ارسال طباعة المفضلة تعليق حفظ

جديد المقالات
من الأرشيف

اقرأ ايضا
رئيس التحرير
د.لنا عبدالرحمن

© جميع الحقوق محفوظة لموقع نقطة ضوء 2005 - 2017
خدمة Rss   خريطة الموقع   التحرير

Powered by DevelopWay
برمجة وتصميم : طريق التطوير