التصويت
التصويت
كيف ترى أثر  الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟ كيف ترى أثر الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟
- أدى الى تراجع الدور الثقافي
- لم يؤثر على الثقافة.
- ساهم في نهضة الثقافة


عدد المصوتين عدد المصوتين : 99
تصويت سابق تصويت سابق
أراء وكتاب
مقالات مختارة
الكاتب : حبيب سروري
الكاتب : أمير تاج السر
  
الرئيسية الرئيسية » رؤى نقدية » " ليل لأطراف الدنيا " .. فتنة الإسكندرية وغوايتها


   " ليل لأطراف الدنيا " .. فتنة الإسكندرية وغوايتها " ليل لأطراف الدنيا " .. فتنة الإسكندرية وغوايتها

أحمد فضل شبلول (ميدل ايست أونلاين:) السبت, 14-نوفمبر-2015   07:11 صباحا

هذه رواية سكندرية، على الرغم من أن كاتبها أحمد الشريف ليس سكندريا، ولا السارد أيضا، وكأنها كُتبت بالمصادفة البحتة عن الإسكندرية، أو أن أحداثها دارت بالمصادفة البحتة في الإسكندرية، فالدافع الرئيسي للسارد القاهري كان البحث عن العمل بعد التخرج وبعد انقضاء فترة التجنيد، ولأن صديق السارد الذي تعرف عليه في سوبر ماركت بالقاهرة، كان سكندريا، فوعده أنه بمجرد أن تنتهي فترة تجنيده بالقاهرة سيبحث له عن عمل في الإسكندرية.

وبالفعل ينتقل السارد الشاب خريج كلية العلوم شعبة الفلك، للإسكندرية بعد عدة أعمال متقطعة وعشوائية في دكان لبيع الخضراوت والفواكه، وفي مخزن للجبن والبسطرمة، ومراجع ومصحح في دار لنشر الكتب الدراسية والعلمية، وأخيرا بائع في سوبر ماركت حيث يلتقي سعد الذي أصبح صديقه فيما بعد.

ولعل في تقلب السارد (الذي لم نعرف اسمه) في عدة وظائف لا صلة لها بما درسه في شعبة الفلك بكلية العلوم، ما يؤكد أزمة الخريجين الجامعيين في مصر، الذين يقبلون بأية وظيفة أو عمل يقيم أودهم.

وهكذا ينتقل السارد (الذي تجئ الرواية بلسانه أو بضمير المتكلم) إلى الإسكندرية في خطوة جرئية يتغير مجرى حياته بعدها. يقول: "وصلتُ إلى حالة من الانزعاج الشديد لم أعد احتمل. أصبحت القاهرة كابوسا، تذكرني بكوارث الأرض ونظرية فناء الكون. قررت أن أنتقل للإسكندرية".

وتظهر ثقافة السارد العلمية وتأثير دراسته الفلكية والتاريخية في بعض المواقف بالرواية، وخاصة عندما يتأمل بحر الإسكندرية "الشاسع، الهادئ، المريح".

ويصور لنا السارد جو الإسكندرية الشتائي في منطقة الشاطبي في نهاية فصل الشتاء عندما التحق ببيت الشباب بالشاطبي لعدة أيام، انتظارا لوصول صديقه سعد الذي سيصحبه للعمل والسكنى في منطقة الدخيلة الشعبية التي تقع أيضا على شاطئ البحر المتوسط، ولكن شتان ما بين الشاطبي والدخيلة.

ويدور القسط الأكبر من أحداث الرواية في الدخيلة، وأعتقد أن هذه المنطقة غير متداولة كثيرا في الرواية السكندرية بصفة عامة.

فالمكان إذن بكر بالنسبة للكاتب، وللقارئ أيضا، لقد وجدنا روايات سكندرية تدور أحداثها في حي بحري والأنفوشي مثل "رباعية بحري" و"زمان الوصل"، و"الشاطئ الآخر" وغيرها لمحمد جبريل، ويا بنات اسكندرية" وغيرها لإدوار الخراط، ورأينا "العطارين" عند محمد عبدالله عيسى، والقباري وكرموز وغيط العنب عند إبراهيم عبدالمجيد، ورأينا زيزنيا والمكس وبحري وغيرها في أعمال أسامة أنور عكاشة الدرامية. ورأينا محطة الرمل والأنفوشي والمنشية وباكوس والبياصة لدى عدد آخر من الكتاب السكندريين من أمثال عبدالفتاح مرسي ومجدي عبدالنبي ومحمد الصاوي وأحمد حميدة وسعيد بكر والشربيني المهندس، وأيضا غير السكندريين، بل والأجانب الذين عاشوا في الإسكندرية مثل لورانس داريل الذي كتب رباعيته الشهيرة "رباعية الإسكندرية".

أما أعمال نجيب محفوظ عن الإسكندرية مثل "ميرامار" و"السمان والخريف" وسيناريو وحوار "ريّا وسكينة" فقد انحصرت أيضا في الأماكن الشهيرة في الإسكندرية مثل محطة الرمل والإبراهيمية واللبّان.

أما الدخيلة، وبهذه الرؤية للعالم وللمكان، التي يطرحها أحمد الشريف في روايته "ليل لأطراف الدنيا" فلم نعثر عليها كثيرا في الروايات السكندرية.

إنه مكان شعبي بكر، فيه كل الأمراض والأوبئة الشعبية مثل تجارة المخدرات وتعاطي الحشيش والدعارة المستترة، والسرقة. يقول السارد: "في الغرفة المجاورة لغرفة سعد يعيش نصف حرامي نصف مجنون، الغرفة الثالثة رجل وامرأته، والغرفة الرابعة امرأة وابنتها"، أي يوجد في هذ البيت "عاهرتان ولص".

ووسط هذه الخلطة البشرية يعيش السارد حياته الجديدة بعد أن ترك القاهرة ليعمل

موزع أنابيب بوتاجاز بالدخيلة والعجمي، ومن خلال هذه الوظيفة نجد هذا التفاعل مع بعض الشخصيات التي تقطن هذه المنطقة السكندرية العريقة.

أيضا نتعرف على العالم التحتي السكندري من خلال تلك الشخصيات الفقيرة والمهمشة، وكيف تُدار العلاقات بين الرجال والنساء. وقد لاحظت أنه لا توجد امرأة شريفة، أو لا تمارس الجنس المحرَّم بين نساء الرواية، فكلهن يجرين وراء الجنس إما طلبا للمتعة أو للمال، ومع ذلك فالحياة تسير. كما أن معظم الرجال الفقراء يتعاطون الحشيش والمخدرات والكحوليات الرخيصة. ومع ذلك الكل يعيش والكل يأكل ويشرب وينام، وتمضي الحياة بهم على وتيرتها أو على وتيرتهم.

وربما الشخصية المضيئة النظيفة في الرواية هو "مصباح" الذي لم يتزوج ويعيش وحده في إحدى الشقق، ويقوم بتربية الحمام وأنواع أخرى من الطيور. وقد مد يد العون للسارد أكثر من مرة، عندما كان يمنحه (بقاقيش زائدة) عند صعود السارد حاملا على كتفه أنبوبة بوتاجاز للدور السادس بدون وجود مصعد في العمارة التي يقطنها مصباح، ومرة أخرى عندما وفّر له سكنا في غرفة على سطح تلك العمارة بعد أن تخلّى عنه صديقه سعد الذي آواه في بداية رحلة عمله في الإسكندرية، ولكن سعد اضطر إلى الاستقرار في مرسى مطروح وترك غرفته لأحد تجار المخدرات ليخرج السارد منها، فيلجأ إلى مصباح الذي يساعده على السكنى.

أما المرة الثالثة التي يقدم له مصباح خدمة جليلة، فهي فرصة العمل بالميناء الكبير عن طريق عادل فرج أحد أصدقائه الذين يترددون عليه، فعرَّفه مصباح على السارد وحكى له ظروفه، فوعده فرج أن يبحث له عن عمل مناسب.

كان السارد قد وجد عملا قبلها، في مبنى البريد الرئيسي بالإسكندرية، الكائن بجوار محطة السكك الحديدية في "محطة مصر" عن طريق والد "زيزو" أحد أصدقائه الجدد بالدخيلة الذي سيخرج على المعاش قريبا، وبالفعل يتدرب على العمل بعد أن بلغه قرار وجوب العمل على سيارة لنقل الأنابيب، ولكنه لا يعرف قيادة السيارات.

ويقطع السارد المسافة يوميا بين الدخيلة ومحطة مصر، لتكون فرصة أيضا للتوقف عند بعض سلوكيات المواطنين وتصرفاتهم في الأوتوبيسات والميكروباصات المتجهة من الدخيلة إلى محطة مصر، والعكس.

وقد جاء الوقت الذي يفاضل السارد بين عمله المؤقت في البريد، والعمل الجديد المعروض عليه في الميناء الكبير حيث السفن وفرصة الإبحار إلى بلدان العالم المختلفة. يقول له عادل فرج مغريا: "إقامتك هتكون على السفن، وهتسافر أغلب الوقت. ولو في مشاكل في التدريب هيكون معاك إبراهيم جابر على نفس الرصيف، وبعد كده لو في مشكلة في التدريب ومقدرتش تسد ممكن أشوف لك شغل في محطة الركاب والسياحة معارفي كتير هناك ..".

وهكذا تنفتح أمام السارد فرص عمل متعددة، ولكن النهاية تتركنا في حيرة هل قبل السارد العمل في الميناء، أم رفض تلك الفرصة، أم لا يزال يفكر، إنها نهاية مفتوحة يقول: "هبت من ناحية الميناء أنسام لطيفة، أغمضت عيني لثوان وأخذت نفسا عميقا، فتحت عيني فرأيت عند الأفق مياه البحر والنوارس تحلق في دوائر على صواري السفن، وفوق سطح الماء، تملأ الأجواء بحركاتها وأصواتها، تفتح لأنفسها آفاقا جديدة وبراحا أوسع ورأيت سفينتين قادمتين .. ثم رأيت سفنا أخرى على الرصيف تستعد للمغادرة".

هذه هي نهاية الرواية التي صدرت عن دار الدار بالقاهرة، ووقعت في 122 صفحة، فهل توحي هذه النهاية بقبوله العمل في ميناء الإسكندرية، أم بالرفض في ظل وجود هالة "تلك المرأة الدافئة" في حياته التي ضاجعها أكثر من مرة "هي أيضا متزوجة حتى لو انفصلت عن زوجها" ويتساءل السارد: لماذا التردد إذن؟

إن رواية "ليل لأطراف الدنيا" لأحمد الشريف صاحب "مسك الليل" 2002، و"كأنه نهار" 2004، قطعة من الحياة في تلك المنطقة السكندرية "الدخيلة" كشف السارد فيها ما هو مخفي ومسكوت عنه لدى معظم القراء. إنها رواية "عالم" وليست رواية مكان وناس فحسب، وكما جاء على الغلاف الخلفي "لا أهمية كبرى لحدث أو مكان، بل يتأتى النص ويتخلق عبر قدرته على رسم ذلك العالم، هو ليس عالم المهمشين، وكذلك ليس عالم الراسخين في المكان أو الزمان. لا شيء في هذا العالم يبدو أن سيستمر على حاله، حيث لا شيء قابل للنمو أو التطور".

إذن نحن أمام نص لا مجال فيه لنمو الشخصية وتطورها كشرط من شروط الدراما، ولم نجد عقدة وحلولا ولحظة تنوير، بل إنها مساحة للفضفضة والكتابة وتسليط العدسة على منطقة شعبية أهم ما يفكر فيه ساكنوها توفير الغذاء اليومي وممارسة الجنس وتعاطي المخدرات، ولعل الحديث عن الغذاء والطبخ والسندويتشات والمطاعم قد استحوذ على نسبة عالية من تلك المساحة.

أما عن اللغة فقد لاحظنا أن السرد جاء بالفصحى المبسطة عن طريق ضمير المتكلم، بينما جاء الحوار بالعامية المصرية التي يتخللها بعض النكات مثل قول بائع الحشيش لحندوق: "بقى مش عجبك حشيشي يا بني .. أنا اللي محمد عبدالمطلب لما جاه اسكندرية وسأل عني ومالقنيش، راح طالع على المسرح وغنى: بياع الهوى راح فين؟

أيضا الرواية لا تخلو من المقارنة بين الإسكندرية الآن والإسكندرية زمان، حينما كانت الجاليات الأجنبية تملأ المدينة، ويذهبون للتصييف في منطقة العجمي والدخيلة، مع ملاحظة أن العجمي كانت دائما الأنظف في رمالها وشطآنها من منقطة الدخيلة. يقول مصباح: "معظم الشقق في العمارة كانت ليونانيين وإيطاليين وجنسات تانية كانوا بيصييفوا في الدخيلة"، فالدخيلة كانت مثل الساحل الشمالي الآن: "في سنة 56 أيام العدوان مشى عدد كبير، وفي 67 مشى معظمهم". أيضا كانت تصدر في الإسكندرية جرائد بأكثر من خمس لغات مختلفة: "أشرق وجه ارسينيان بابتسامة نادرة: دول كانوا أكثر من خمس جرايد".

وأيضا يوجد ذكر لبعض ملامح التاريخ السكندري الموغل في القدم: "الإسكندر حرر الشعوب من العبودية والدين"، فضلا عن سرد تاريخ حدائق انطونيادس، وإبراز صور بائعي الكتب القديمة في شارع النبي دانيال، والمركز الثقافي الفرنسي الذي حضر السارد فيه ندوة ثقافية وشاهد فيلما عن الفضاء، ودار حوار بينه وبين عامل البوفيه الذي أوضح أن هناك من يعتقد أن المركز يقدم أنشطة منحلة ومفسدة زي السينما والموسيقى، بل أكد أن مدرس في كلية الفنون الجميلة قال لطلبته إنهم سيذهبون لزيارة متحف محمود مختار الكافر!

ويتخلل ثنايا السرد عبارات وجمل وألفاظ تؤكد ثقافة السارد السكندرية، ومنها الألفاظ السكندرية ذات الإيحاءات الخاصة مثل: "أحييه"،"أحييه نسيت أعملك حاجة تشربها"، و"أحييه هاستحمي تاني؟". والفلافل (وليس الطعمية) وغيرها.

الأمر الذي يدل على أن تلك المدينة تطبع زوارها والمقيميين فيها بطابعها الخاص، إنها فتنة الإسكندرية وغوايتها.

   

   " ليل لأطراف الدنيا " .. فتنة الإسكندرية وغوايتها اضافة تعليق

شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق عليه من قبل المحرر .

  
 
خيارات متاحة

طباعة مقال المفضلة حفظ مقال تعليق
ارسال طباعة المفضلة تعليق حفظ

جديد المقالات
من الأرشيف

اقرأ ايضا
رئيس التحرير
د.لنا عبدالرحمن

© جميع الحقوق محفوظة لموقع نقطة ضوء 2005 - 2017
خدمة Rss   خريطة الموقع   التحرير

Powered by DevelopWay
برمجة وتصميم : طريق التطوير