التصويت
التصويت
كيف ترى أثر  الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟ كيف ترى أثر الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟
- أدى الى تراجع الدور الثقافي
- لم يؤثر على الثقافة.
- ساهم في نهضة الثقافة


عدد المصوتين عدد المصوتين : 103
تصويت سابق تصويت سابق
أراء وكتاب
مقالات مختارة
  


الشبح الشبح

نص : مي خالد (القاهرة :) السبت, 21-يناير-2012   03:01 مساءا

الشبح

 

 

الظهور الأول للشبح : العاشرة مساء السبت 29 يناير 2011 والمعروف بليلة الترويع... "سلام قولا من رب رحيم..سلام قولا من رب رحيم"..أرددها كالمحمومة و انا أقبض بكلتا يدي على السياج الحديدية لشرفة بيتي. اهتديت لتلك الآية من قلب سورة يس و انا ابحث في هستيرية عن كود لتشفير الخوف و تعويذة لرد الرعب. لست متأكدة ان كنت قد وجدتها في احدى الكتيبات الدينية أم انني نقبت عنها في "جوجل"، فقد كانت شاشة الكمبيوتر هي الملاذ المعرفي، تليها "الجزيرة مباشر مصر" من تلفاز الصالة، ثم القناة الأولى بالتليفزيون المصري في تلفاز غرفة النوم.

" بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شئ في الأرض و لا في السماء و هو السميع العليم." دعاء آخر أردده بشفاه منملة و لسان متيبس لتبدو حروفه على هيئة زن متصل طويل. سياج الشرفة تغادر مكانها و ترتطم بقلبي ثم تعود لمكانها. بل قلبي هو الذي يفعل ذلك، لكن من فرط الانفعال و التهاو التدريجي لساقي و جسدي شُبه لي ان الحديد هو الذي يخترق موضع القلب ثم يعود.

تلك اللحظة التي استغرقت ثوان وبلغت فيها ذروة الرعب كانت حين امتلأ الشارع بصراخ نسائى، فانتشر على الفور كل رجال المنطقة و من بينهم ابني و زوجي..لأن البلطجية قد وصلوا !!

ذروة الرعب ان تفتح عينيك عن آخرهما لتطل من شرفة على مشهد لحياتك و هي تؤول للسقوط..فقد ترى ابنك و زوجك و هما يلقيان حتفهما..و قد تشهد واقعة اغتصاب او خطف ابنتك بواسطة من اجهزوا على الرجال الذين يقومون بحمايتكما.

تشكلت أمامي كل مدخراتي من المشاعر و الجهد العاطفي على هيئة صرح كبير هائل..مبنى شاهق أخذت كل طوبة فيه من قلبك دقة و من عينيك دمعة و من روحك نفحة..و هاهو الصرح الصلب سينهار بمثل سهولة انهيار البرجين في 9-11 و كأن ما حدث على الشاشة أمامك آنذاك كان مجرد خدعة سينمائية في فيلم للخيال العلمي.

كان فعلا محض خيال. ففي تلك الأثناء كنت أخشى شبحا لا أستطيع وصفه أو تمييزه: البلطجية !! من هم و ما تلك القدرات الخارقة التي يتمتعون بها و تتناقلها وسائل الإعلام و تغطي تغلغلهم في كل صوب و حدب. الأصوات النسائية على الهواء مباشرة تستغيث بالجيش بعد اختفاء الشرطة : "البلطجية دمروا المحلات التجارية بعد ان نهبوها في شارع جامعة الدول العربية." " البلطجية أحرقوا أركاديا مول عن آخره". "البلطجية خرجوا من الكيلو 4,5 طريق مصر السويس.. اتجهوا إلى التجمع الخامس..هم الآن في مدينة الرحاب..شيراتون هليوبولس..شارع عمار بن ياسر..إنه الشارع الرئيسي الملاصق لبيتي..انهم يقتربون..يقتربون جدااااا....

كنت كلما سمعت اسم حي او منطقة أتصل فورا بذويي الذين يسكنونها، فاجدهم على قيد الحياة لا يزالون. يسمعون فقط دوي طلقات نارية كالتي تخترق أذني و قد صارت جزءا لا يتجزأ من خلفيتي السمعية لأيام متتالية فيما بعد، هي و أبواق ترتفع بصوت ذكوري أجش ينطلق من المآذن العديدة المحيطة بمنزلي، و في أحيان أخرى يأتيني من عربات تجول في المنطقة و تحث الشباب و الرجال على التيقظ و التربص و اعداد ما استطاعوا من قوة.

ثلاث فتيات في العمارة المقابلة يقفن على السطح و يطمأن شباب المنطقة انهن قد أعددن زجاجات مولوتوف و سيقمن بإلقائها من أعلى كخط دفاع ثان. زوجة البواب تجري خلف ابنها الصغير و تمده بسكين ليغرسها في العصا التي يمسك بها !! ابني و زوجي،كل يمسك بعصا حديدية ثقيلة، علمت ذلك اليوم انهما كانتا بحوزتيهما منذ زمن و يحتفظان بهما في سيارتيهما للدفاع عن النفس ان قطع أحد طريقهما !!

لحظات الخوف الشديد تمر على الإنسان مثل ساعات ثقيلة،يشاهد فيها شريط حياته كاملا و قد يتغير،بناء عليها، مستقبله تماما ! كنت في المرحلة التي تسبق الإغماء التام و انا في ذروة الهلع انتظارا للبلطجية، حين ارتفعت أصوات الرجال المتربصين بالشارع ناظرين لنسائهم بالشرفات : " ماتخافوش..دي واحدة ابنها تايه و بتدور عليه ! ". 

امرأة مجهولة تصرخ لثوان بحثا عن طفل تائه، لتطلق سراح ألف جني يستقرون في قلبي و عقلي. شبح عظيم سكنني ثم تغلغل في كل ركن و تمطى و استراح، حتى بعد ان تلقى عقلي الواعي بيانات رسمية تكشف خطة الترويع المحكمة من بث شائعات عن أعمال سلب و نهب وانتشار مسجلي الخطر بالأحياء و اصدار تلميحات في وسائل الإعلام بتشكيل لجان شعبية لتوجيه طاقة الناس بعيدا عن الميدان !

أنا التي تبكي و يفسد يومها حين يفترق حبيب و حبيبته في فيلم سينمائي، وأنا الطفلة التي كانت تكره ان تختبئ خلف حائط لتفاجئ طفل آخر بكلمة "بخ "، و تمقت ان تصرخ في أذن صديقة لها ب "تووووت"، و لا تضحك أبدا مع الآخرين على شخص اختل توازنه و وقع في الطريق،هي المرأة نفسها التي ترصص بجوار باب الشقة مجموعة من عبوات الريد و البيروسول لبخها في عيون المهاجمين المحتملين، ثم مباغتتهم بالسكاكين الضخمة اللامعة التي تأتينا كهدايا ضمن أطقم للتقطيع و لا نستعملها أبدا !!

أنا التي كانت تحتمي بالأغنيات الرومانسية التي يبثها كاسيت سيارتي بعد الثانية صباحا وأنا عائدة من نوبتجيتي بالإذاعة، ليقيني بأن الإحساس الجميل لن يجذب نحوي إلا كل ما هو رقيق، هي الشخص نفسه الذي يقوم بغلي كمية من الخل و إضافة الفلفل الأسود و الشطة الحمراء إليه و تعبئة المحلول الحارق في بخاخ أحتفظ به في باب سيارتي،تحسبا لأي هجوم، بينما الحواس جميعها تترصد لأي موتوسيكل يمر بجانبي و اقوم بالتدريب الذهني على اللحظة التالية : إحكام حزام الأمان..سمكرة الأبواب..زيادة سرعة القيادة مع توجيه مقدمة السيارة نحو منتصف الموتوسيكل و طرح ركابه أرضا على الطريق العام، ثم انطلق نحو بيتي بدم بارد في الشوارع الهادئة نفسها التي كانت قد شهدت احتمائي باليقين و الثقة في قدرة النغمات الحالمة على صرف أي سوء !!

تركتني ليلة الهلع بقلب لا ترى عيونه سوى لونين : بيج كابي نهارا.. و أحمر فوسفوري باهت ليلا..هي ألوان الشوارع المنتزع منها الأمان، على الرغم من ان عقلي تملؤه شمس تشرق ليل نهار بضوء الانعتاق و التطلع إلى الشعاع الساطع بآخر النفق المظلم.

ظل الشبح المستقر في القلب، و النور الذي يضيئ العقل في عراك لا يهدأ، إلى ان كانت تلك الليلة القريبة التي قدت فيها سيارتي، عائدة من عملي قبيل الفجر، متسلحة كالعادة برذاذ الخل المخلوط بالشطة و الفلفل. استشعرت خطرا ما حين لمحت في المرآة سيارة تتبعني. توقفت أمام العمارة و غادرت السيارة و انا أمسك بالبخاخ بكل جرأة، و بخطوات ثابتة صعدت إلى شقتي، بعد ان كنت قد تأكدت ان السيارة الأخرى لم تكن تتبعني، حيث انحرفت يمينا في شارع آخر. 

ضغطت على البخاخ و وجهته نحو الفراغ لتجربته من باب التسلية، إلا انه كان معطلا تماما. البخاخ ذو الرذاذ الكاوي الذي منحني قوة هائلة لشهور ستة لا يعمل !! تركته في المطبخ، موطنه الأصلي، جنبا إلى جنب مع عبوات الريد و البيروسول و السكاكين الضخمة التي لا أعرف لها فائدة. و الأهم هو انني خلعت أمامهم الشبح الذي سكنني ليخيفهم أو يخيفوه.

أما أنا فقد عدت أحتمي بالموسيقى الناعمة و الأغنيات الحالمة التي يبثها مذياع السيارة و انا انعم بالقيادة الواثقة بعد منتصف ليل القاهرة !

 

   

الشبح اضافة تعليق

شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق عليه من قبل المحرر .

  
 
خيارات متاحة

طباعة مقال المفضلة حفظ مقال تعليق
ارسال طباعة المفضلة تعليق حفظ

جديد المقالات
من الأرشيف

اقرأ ايضا
رئيس التحرير
د.لنا عبدالرحمن

© جميع الحقوق محفوظة لموقع نقطة ضوء 2005 - 2018
خدمة Rss   خريطة الموقع   التحرير

Powered by DevelopWay
برمجة وتصميم : طريق التطوير