التصويت
التصويت
كيف ترى أثر  الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟ كيف ترى أثر الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟
- أدى الى تراجع الدور الثقافي
- لم يؤثر على الثقافة.
- ساهم في نهضة الثقافة


عدد المصوتين عدد المصوتين : 85
تصويت سابق تصويت سابق
أراء وكتاب
مقالات مختارة
  
الرئيسية الرئيسية » البستان » رجل يقرأ، إمرأة تراقب


رجل يقرأ، إمرأة تراقب رجل يقرأ، إمرأة تراقب

هدية حسين () الخميس, 20-ابريل-2017   05:04 صباحا

رجل يقرأ، إمرأة تراقب

للصمت ضجيج في رأسي، يتحدى صبري عليه، يدوّخني ثم يرميني الى الأشباح ، فأراها تتقافز من حولي لتفترسني، يقولون، كأنهم يقصدونني، إن الأشباح تطارد الذين يعيشون بمفردهم، تساكنهم وتفرض شروطها على نمط حياتهم حتى يستعصي عليهم أن يصبحوا أسوياء.. كم أخاف الأشباح.
أخرج الى المتنزه القريب، أنسل على مهمل من أحدى الزوايا وأدوس على الحصى والحشائش، اليوم عطلة أسبوعية، يزدحم المتنزه بالناس، أمامي خضرة لا متناهية، وأزهار من كل لون، أجلس على مصطبة خشبية وأنظر الى امرأة ترقص كأنها تريد التحليق بعيداً، ترقص من دون موسيقى مسموعة، الموسيقى في جهاز الموبايل تسمعها هي وحدها من خلال سلكين يصلان إلى أذنيها، وهناك بشر كثر، نساء ورجال وأطفال، يمشون أو يركضون أو يجلسون على الحشائش، مُحدثين ضجيجاً يحتفي بالربيع والحياة، لا يشبه ضجيج رأسي الذي أسمعه وحدي.
أنتبه... ثمة رجل يجلس على مصطبة قبالتي، تفصلني عنه بضعة أمتار، يقرأ في كتاب.. ترى أي نوع من الكتب يقرأ ؟ أتساءل.. يبدو منهمكاً في القراءة لدرجة أنه لا يرفع نظره عن الكتاب، ولا يحس بما يدور من حوله.. هل يقرأ رواية؟ كم أحب قراءة الروايات، إنها تأخذني في رحلة أتعرف فيها على شخصيات لا يجود الواقع بمثلها، أحبها وأتمنى لو كانت حقيقية تجمعني بها المصادفات، وثمة شخصيات تثير الأعصاب لأنها تذكرني بكل الناس الذين مروا في حياتي وتركوا أثراً سيئاً.
ربما لم تكن رواية.. ديوان شعرٍ مثلاً، الشعر يبحر بي الى أعماق مشاعري، تلك التي نسيتها في زحمة الحياة، أو تجاهلتها زمناً طويلاً.. كم أود معرفة عنوان هذا الديوان والشاعر الذي يقرأ له هذا الرجل المتوحد مع عالمه.
أليس من المحتمل أن يكون كتاباً في علم النفس؟ فلعل هذا الرجل يعاني من عقدة نفسية، ويريد البحث عن طريقة لتستقر نفسه.. لِم لا يكون كتاباً دينياً؟ رجل خبر الدنيا، أغوته مثل امرأة لعوب فعاش مجونها، ثم شعر بالملل، وأيقظته صحوة قادته للشعور بالخواء وبأن كل شيء زائل، فمن الناس من يغرف بلا هوادة من ملذات الحياة قبل أن يودعها، ومنهم من يجنح الى التوبة قبل أن يدركه الموت ويُنزله من برجه المشيّد بالغوايات:
ـ الموت يا سيدي له أشكال، إذ ليس فناء الجسد وحده هو الموت.
ـ يبدو أن لكِ مشكلة مع الحياة.
ـ الحياة يا سيدي هي التي لها مشكلة معي، إنها تظن بأنني لا أستحقها.
وقبل أن يمضي الحوار بيننا أنتبه الى أنني أكلم نفسي، والرجل مايزال منهمكاً بالقراءة، ولولا أنه يحرك أصابعه ليقلب الصفحات لظننت بأنه تمثال من البرونز.
وضجيج الأطفال والمارة يعلو من حولي، ويتسلق رأسي، ويعبث في هدوئي، لكنني لا أشعر بالدوخة هنا، الضجيج في رأسي يخفت قليلاً، والصمت يأخذ استراحة فلا يصخب، إنه ينتظر أن أعود الى البيت ليلعب لعبته معي.
ـ ماذا تقرأ سيدي، بي فضول لمعرفة أي نوع من الكتب يستهويك.
بدا وجهه محايداً حين نظر إليّ، ربما نسي عنوان الكتاب، فقد طواه لكي يتذكر، ثم قال:
ـ يوميات امرأة.
ـ ماذا تقول في يومياتها؟
ـ إنها وحيدة، تخاف الأشباح وتسمع ضجيجاً في رأسها، تقفز من فراشها ليلاً وتفتح النافذة، معتقدةً أن الضجيج يأتي من الخارج ويخترق رأسها، من الجيران ربما، لكنها في كل مرة حين تفتح النافذة، يختفي الضجيج، وعندما تغلقها يعود إليها ويهاجمها بعنف.
لا أبداً، لم يتفوّه الرجل بأية كلمة، وأنا لم أسأله شيئاً، فأنا مازلت على هذه المصطبة لم أتحرك، وهو مايزال يقرأ على المصطبة الأخرى، ولا يدري بأن امرأة تراقبه وتود التحدث معه بشأن الكتاب الذي يقرؤه.
ثمة عصفور سقط في هذه اللحظة من قلب الشجرة، عصفور صغير مايزال الزغب الأصفر على جسده الضعيف، تحاول العصفورة الأم إنقاذه دون جدوى، ركض طفل وأمسك به، تجمع الأطفال من حوله، تناقشوا بالأمر وقرروا أن يعود الى عشه، فأمه تحوم فوق رؤوسهم وتضج بالزعيق، لكن جذع الشجرة أملس لا يمكن الصعود عليه.. خرج طفل من بينهم، فر راكضاً ثم عاد ومعه البستاني يحمل سلّماً خشبياً، أسنده الى جذع الشجرة، وصعد بعد أن وضع العصفور في جيبه، وما تزال العصفورة الأم تزعق، والأطفال ينظرون بملامح ممزوجة بين الحزن والفرح، حتى أمسك البستاني بغصن متين ساعده على الوصول الى العش، ضج الأطفال فرحين، وصفّقوا للبستاني، ثم تفرقوا، جعلتني حكاية العصفور أشعر بالحنين الى حضن أمي، ذلك العش الدافىء، أمي التي صرخت ذات يوم عندما سقطتُ في النهر، كان عمري وقتها خمس سنوات، وجاء ثلاثة من الصبية، رموا بأجسادهم الى النهر وأنقذوني.
 لكنني لم أمعن بالذكرى البعيدة، فقد سقط نظري على المصطبة المقابلة، وقد غادرها الرجل أثناء انشغالي بحكاية العصفور، غادر بعد أن ترك الكتاب في المكان، فهرعت إليه وتناولته، كما لو أنني أعثر على كنز طال بحثي عنه.. لم يكن رواية، ولا ديوان شعر، وليس كتاباً في علم النفس أو كتاباً دينياً كما ظننت.. كان كتاباً عن الأشباح بعنوان صادم: الأشباح تفترسك.

   

رجل يقرأ، إمرأة تراقب اضافة تعليق

  
 
خيارات متاحة

طباعة مقال المفضلة حفظ مقال تعليق
ارسال طباعة المفضلة تعليق حفظ

جديد المقالات
من الأرشيف

اقرأ ايضا
رئيس التحرير
د.لنا عبدالرحمن

© جميع الحقوق محفوظة لموقع نقطة ضوء 2005 - 2017
خدمة Rss   خريطة الموقع   التحرير

Powered by DevelopWay
برمجة وتصميم : طريق التطوير