التصويت
التصويت
كيف ترى أثر  الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟ كيف ترى أثر الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟
- أدى الى تراجع الدور الثقافي
- لم يؤثر على الثقافة.
- ساهم في نهضة الثقافة


عدد المصوتين عدد المصوتين : 96
تصويت سابق تصويت سابق
أراء وكتاب
مقالات مختارة
  
الرئيسية الرئيسية » آراء حرة » حين تقرأ أميركا الشعر العربي المترجم


حين تقرأ أميركا الشعر العربي المترجم حين تقرأ أميركا الشعر العربي المترجم

جودت فخرالدين (الحياة:) الخميس, 09-نوفمبر-2017   02:11 صباحا

حين تقرأ أميركا الشعر العربي المترجم

لم أكنْ أتخيل أنْ تحتفيَ دار للنشْر بمؤلف، كما فعلت دار النشْر الأميركية BOA، التي أصدرتْ أخيراً ديواني «منارة للغريق» باللغتيْن العربية والإنكليزية. الترجمة أنجزتْها ابنتي هدى، أستاذة الأدب في جامعة بنسلفانيا في مدينة فيلادلفيا، بالتعاون مع الأستاذ الأميركي جايسن آيوين. هذه الدار أسسها شاعر أميركي، وهي من الدور الخمس الأولى في أميركا من حيث الاهتمام بالشعر وطباعته، مقرها في مدينة روسشتر في ولاية نيويورك. وُج هتْ إلينا الدعوة، أنا وهدى، من فيلادلفيا إلى روشستر. وما إنْ وصلْنا، حتى قادتْنا ممثلةُ الدار، وهي امرأة في غاية اللطف، إلى بيتٍ باذخٍ في وسط غابة ساحرة. قالت إنه سيكون مكانَ إقامتنا ليومي زيارتنا إلى روشستر.
هذا البيت الباذخ تابع لبيت أساسي هو أكثر بذخاً. إنه إذاً بيت إضافي مخصص للضيوف. وقد تبرّع به أصحابُهُ لمصلحة دار النشر لكي تستقبل فيه ضيوفَها. كم هو مريح ومفتوح على الطبيعة بأشجارها الشامخة الحانية. لم يتسن لنا أن نكتشف كل ما فيه وما حوله، لكثافة البرنامج الذي كان علينا أن ننفذه.
بعد وصولنا بقليل، وقبل أن يسرح نظرنا كثيراً في أجواء الطبيعة الساحرة، أتى أحد أعضاء مجلس الإدارة في الدار، برفقة زوجة الشاعر المؤسس، وذهبا بنا إلى العشاء في مطعم تراثي وسط المدينة. في هذه السهرة كان حديثنا عن الدار ومشاريعها، وعن كتابي المترجم وكيفية اختياره وطبعه، وحصوله على منحة أو جائزة لمصلحة الدار، كان للمؤلف والمترجمين حصة منها.
في اليوم التالي صباحاً، أتى مدير الدار - وهو شاعر اسمه بيتر كونرز - واصطحبنا أولاً إلى دار الإذاعة في روشستر، حيث أجريت معنا مقابلة حول الكتاب تخللتها قراءات شعرية. أنا كنت أقرأ بالعربية وهدى بالإنكليزية. ذلك لأن معرفتي بالإنكليزية ضعيفة، ولا أقول معدومة.
بعد المقابلة ذهب بنا بيتر إلى متحف المدينة. وبعد تجولنا فيه، تغدينا في مطعمه. وأثناء الغداء أعطانا فكرة عن طبيعة العمل في الدار، وعن الندوة أو الأمسية التي سنحييها في المساء. إنها دار لا تتوخى الربح. موازنتها تقوم على تبرعات من مؤسسات أو أشخاص. وهي في كل سنة تقيم احتفالاً يحضره جمهور حاشد، تدعو إليه
واحداً من المؤلفين الذين تعاملت معهم. قال لنا إنه الاحتفال العشرون. ويقام هذه السنة على شرفنا أنا وهدى. لم أصدق عندما قال إنه يتوقع حضور أكثر من مئة وخمسين شخصاً في الأمسية، خصوصاً أن بطاقة الحضور للشخص الواحد ثمنها ستون دولاراً.
بعد الغداء، ذهب بنا بيتر إلى مكاتب الدار، حيث يعمل هو وموظفون آخرون. كانت لنا جولة في هذه المكاتب، اطلعنا خلالها على طريقة العمل وعلى لائحة ٍبالمنشورات، من بينها كتابان فقط، في الشعر العربي المترجم إلى الإنكليزية، هما: «أغاني مهيار الدمشقي» لأدونيس (ترجمة عدنان حيدر ومايكل بيرد)، و «صانع المعجزة» لفاضل العزاوي (ترجمة خالد مطاوع)، إضافة إلى كتابي «منارة للغريق».
بعد هذا اللقاء، لم يبق لنا سوى وقت قليل للراحة. ثم اقترب موعد الأمسية. أخذنا بيتر إلى بيت تراثي حولوه إلى صرح كبير للاحتفالات الثقافية، الأدبية منها والموسيقية. هذا البيت كان لشخص ثري أنشأه في القرن الثامن عشر، ورمم مرات عدة. وأصبحت له اليوم إدارة تسْهر على صيانته وتجهيزه للاحتفالات.
تدير هذا المركز الثقافي امرأة لطيفة، قمنا معها بجولة عرفتنا فيها بأرجائه غرفة غرفة. واطلعنا منها على البرنامج ما بين السادسة والتاسعة: الندوة أو الأمسية،
يليها حفل استقبال، وفي أثنائه توقيع الكتاب.
عندما أخذ القادمون إلى الأمسية يحتشدون ليشتروا بطاقات الدخول، قلت: إذاً ليس الشعر سوى ذريعة لغرض آخر، ولا بد من أن المنظمين أرادوا لهذه الأمسية أن تكون مناسبة لجمع التبرعات للدار. ولكن، قلت أيضاً: ما البأس في ذلك؟ وما الضرر في أن تجتهد دار للنشر لا تتوخى الربح في إنجاح مناسبة أو احتفالية محورها الشعر، أو ديوان عملت على إصداره في حلة جميلة، وتعمل على الترويج له، وتسعى إلى الاستمرار في طباعة الكتب التي تختارها بعناية؟ ومما أثار دهشتي، أن الكثيرين ممن حضروا، وقد فاقوا المئة والخمسين، أخبرونا أنهم استمعوا إلى المقابلة الإذاعية، التي كانت قد بثت مباشرة ظهر اليوم نفسه.
قلْت: ما زالت هنالك إذاعات؟ وما زال هنالك مستمعون؟!
انتقلنا إلى قاعة مسرح، لإقامة الأمسية فيها. امتلأت القاعة، وجلسنا أنا وهدى على المسرح. طبعاً هي التي تولت كل شيء. أدارت الحديث بيني وبينها بكل براعة. تحدثنا عن الكتاب وعن مسيرتي الشعرية. كانت هدى تتكلم بالإنكليزية وتترجم عني عندما أتكلم بالعربية. قرأنا قصائد من الكتاب المترجم، هي بالإنكليزية وأنا بالعربية. وعندما انتهينا، دعا مدير الدار الحاضرين إلى طرح الأسئلة. فكانت محاورة جميلة وحماسية بيننا وبين الحاضرين.
أحد الأسئلة كان حول الترجمة، وعن الخسارة التي يمنى بها الشعر عندما يترجم. أحببت هنا أن أجيب لمرة وحيدة باللغة الإنكليزية، مهيئاً نفسي بعناية.
قلْت ما معناه: الشعر يخسر دائماً إذ يترجم. ولكن، عندما تترجم الابنة شعر أبيها، تكون الترجمة على الأرجح أفضل من الأصل». لاقت هذه الإجابة استحساناً كبيراً.
ثم انتقلنا إلى حفل الاستقبال، حيث تبادلنا الأحاديث مع معظم الذين جاؤوا. كانوا صورة مصغرة عن المجتمع الأميركي الذي لا يجارى في تنوعه. فالحماسة التي أبدوها والتعاطف الذي أحاطونا به لا أظنهما يتوافران في مدينة غير أميركية. ربما بسبب من التنوع الكبير الذي أشرت إليه، واجهت في هذه المناسبة حالات طريفة أو شبه مأساوية: قلة قليلة من العرب، يتذكرون أصولهم من دون أية معرفة باللغة العربية، ومن دون تواصل ببلدانهم الأصلية ولو لزيارة واحدة. منهم واحد لبناني وسيدتان سوريتان. ولكنهم مع ذلك يتأثرون حتى البكاء وهم يتذكرون.
الأميركيون من سكان روشستر أبدوا لنا منتهى الدماثة واللطف. جعلونا نشعر بأننا أنعمنا عليهم بمجيئنا إلى هذا الاحتفال السنوي. وكم كان مؤثراً حديث الكثيرين منهم عن تأثرهم بقصائدي التي قرؤوها في كتابي المترجم الذي حصلوا عليه من قبل، نظراً لما تبذله الدار من جهود في توزيع الكتب وفي الترويج لها.
وقّعنا، أنا المؤلف وهدى المترجمة، أكثر من مئة نسخة من الكتاب. قال مدير الدار إنه حدث استثنائي. بعد ذلك راح المشاركون يودعوننا كما لو أنهم لا يريدون لنا أن نرحل. كانوا يودون أن يعرفوا إلى متى سنبقى في روشستر. ونحن لم يكن قد بقي لنا فيها سوى ساعات قليلة.
في فجر اليوم التالي، كانت عودتنا إلى فيلادلفيا. وفي طريق العودة، راح يتردد في ذهني سؤال وجهه إلي المسؤول في دار النشر الأميركية، إذ قال لي: هل هنالك في البلدان العربية دور للنشر لا تتوخى الربح مثل دارنا؟
رحت أجيب نفسي: أي نشر عندنا؟ ودور النشر العربية ماذا تتوخى؟ بل ماذا تتوخى عندما تتحامى الشعر، وتفرده إفراد البعير المعبد؟! ثم لا تتورع عن إصدار الكتب الرديئة، في الشعر وفي غيره ، عندما تتقاضى من مؤلفي هذه الكتب ما يناسبها من الأموال؟!

   

حين تقرأ أميركا الشعر العربي المترجم اضافة تعليق

شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق عليه من قبل المحرر .

  
 
خيارات متاحة

طباعة مقال المفضلة حفظ مقال تعليق
ارسال طباعة المفضلة تعليق حفظ

جديد المقالات
من الأرشيف

اقرأ ايضا
رئيس التحرير
د.لنا عبدالرحمن

© جميع الحقوق محفوظة لموقع نقطة ضوء 2005 - 2017
خدمة Rss   خريطة الموقع   التحرير

Powered by DevelopWay
برمجة وتصميم : طريق التطوير