التصويت
التصويت
كيف ترى أثر  الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟ كيف ترى أثر الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟
- أدى الى تراجع الدور الثقافي
- لم يؤثر على الثقافة.
- ساهم في نهضة الثقافة


عدد المصوتين عدد المصوتين : 96
تصويت سابق تصويت سابق
أراء وكتاب
مقالات مختارة
  
الرئيسية الرئيسية » آراء حرة » الآخر في فضاءات اللامعقول


الآخر في فضاءات اللامعقول الآخر في فضاءات اللامعقول

رشيد المومني (القدس العربي:) السبت, 02-يناير-2016   02:01 صباحا

الآخر في فضاءات اللامعقول

تنتزع فضاءات العقل مشروعيتها، من توخي إلمامها المحكم، بالشروط الموضوعية التي ينهض على أساسها مفهوم التعرف، إذ من خلال هذا الإلمام، يمكن الحديث عن هندسة العالم، وعن إيقاعاته الفيزيائية التي تتشكل عبرها دلالاته المقننة، وطبعا في حدود الإمكان، بخلاف فضاءات اللاعقل، التي تهيمن عليها محتملات عائمة، غير موجهة بأي قانون معرفي أو ثقافي. 

إنها الفضاءات التي تتحكم فيها الأحاسيس الدنيا ببنيتها الخام، حيث يمكن أن يختلط المتماسك بالهش، النيئ بالمطبوخ، والثابت بالمتغير، كي تبدو العناصر طافية تلقائيا على سطح المادة، غير مقيدة بأي مرجعية تكوينية، تحدد خصوصيتها وهويتها، بما يؤدي إلى تأثير هذا الطفو على تشكل نسيجها المؤقت والعابر لعدة تعالقات، لن تكون لها بالضرورة أي دلالة معلومة أو موجهة، مادامت الصدفة التي يختلقها الطفو، هي التي تتدخل في إدراجها داخل الأنساق العشوائية، وغير الخاضعة لأي منطق تركيبي، أو بنائي.

إن فضاء اللاعقل، ومن منطلق رؤيته الخالية من أي تفاعل مقنع، غير مؤهل لضبط إيقاعات العالم، عبر مداخله المتعددة التي يرى في اعتمادها ضربا من العبث، وإهدارا للزمن والطاقة، معتبرا المدخل الأحادي، كافيا لإسكانه في قلب أشياء العالم. وهو ما يجعل هذه الأشياء في منأى عن أي فهم، أو تعرف موضوعي دقيق وعميق، الشيء الذي يساهم في مضاعفة الفوضى المفاهيمية والتواصلية، ومضاعفة الانقلابات الدلالية المباغتة، التي تفاجأ بها هذه الفضاءات، التي يحدث أن تكون مدمرة وعاصفة، باعتبار أن الكثير من الدلالات التي قد يُعتقد في موضوعيتها الآن، تنحرف غدا باتجاه أضدادها، بفعل انفصال فاعليتها عن «الماهو» الذي يظل هامشيا وغائبا، والعكس بالعكس، وهذا الاستنتاج، يكشف التعارض القائم بين خصوصية التحول الجدلي والمنطقي، الفاعل في صيرورة موجهة بقوانين السببية والعلية، وبين التحول المجاني الهجين، الناتج عن افتقاره التام لأي عناصر عقلانية يمكن أن تكون سببا في هندسة أنساقه. 

وتحضرنا هنا، محنة ذلك التواصل المسرف في انفتاحه، الذي يحدث أن تسنح هناك، وفي تضاعيف ذلك اللامكان الغامض منه، فرصة محتملة لتجليه، من دون أن يبدو مقننا بأي شرط اجتماعي أو فكري، بفعل تجرده التام من حس المسؤولية، وإسقاطه العشوائي لكافة الحدود الفاصلة عادة بين الذات والآخر، انسجاما مع طبيعته المنبثقة من عمق تلك الغريزة الفضولية، التي تتخذ في مسارها منحى تجسسيا يشبع حاجتها الوضيعة لممارسة اختراقاتها العدوانية والمبيتة لهوية الآخر، حيث لن يتعلق الأمر بتواصل إنساني، موجه برؤية ثقافية أو حضارية، بقدر ما يتعلق بتواصل، يستهدف التعرية القاسية لهذا الآخر، تعرية تكون شامتة وسادية، بغاية ضبط وتوثيق هشاشاته وسقطاته، وعيوبه ونقاط ضعفه، بغرض توظيفها في اللحظة المواتية، كسلاح ناجع للفتك.

هذا التواصل المثالي، المطلق، والموحي بحضور أطيافه التفاهمية والتسامحية، يكون أيضا بغاية التسلية والفرجة، من خلال رفع كلفة الحدود الفاصلة بين العقل واللاعقل، بين القيم الأخلاقية المتداولة وأضدادها. ففي قلب هذا الطقس الفرجوي، تصاب صيرورة الأعراف والقيم بثغرات مزمنة، لا تلبث أن تشجع الذوات الطيبة، على تأكيد استعدادها السخي لتبني قيم ذلك التواصل اللامشروط، من دون أن تنتبه ربما، إلى أنه مجرد فخ، يروم استمالة الآخر، وإغراءه للذهاب إلى أبعد مدى، في لعبة البوح والقول والمكاشفة. إنه ونتيجة لذلك، تواصل لا أخلاقي، ينمو ويترعرع في كواليس الحداثة المتوحشة، المتخصصة في ممارسة أدوارها التجسسية والمخابراتية، المهووسة بإحكام كماشتها على الآخر.

إن القوانين المنظمة للتواصل، والمستمدة عادة من قيم، ومعايير التقاليد الثقافية والسلوكية، تكون جاهزة للانزلاق إلى الضفة المغايرة. طبعا، ثمة التواصل الذي يتحقق وفق مستوى من مستويات التماهيات، ذات المرجعية الثقافية، أو الإيديولوجية، أو العرقية، إلا أنه مع ذلك، لن يرقى إلى مستواه المتكامل، باعتبار كل تواصل يظل محكوما بشروطه الملتبسة التي غالبا ما تكون مستندة إلى علل ظرفية، وخاضعة للحسابات النفعية، التي تمليها التعاقدات الاجتماعية أو السياسية. وهو ما يرسخ لدى الملاحظ، حقيقة ذلك التوجس المتبادل، والناتج عن الاقتناع بغموض المسارات، التي يمكن أن يفضي إليها التواصل، بفعل الانفلات الدائم لعناصره المكونة له، والتي تكون دائما مهيأة للانقلاب على أنساقها. من هنا يمكن القول، إن مواقف الآخر، هي باستمرار في حالة استنفار دائم، من حيث تقلبها المزاجي بين مبدأ قبولها لك، ومبدأ نزوعها المفاجئ إلى استبدال هذا القبول، بالرفض والإقصاء المهددين بقلب طاولة التواصل المشوب بمسحة التسامح والتفاهم، الذي كان إلى حين، قبولا بشوشا ولطيفا، وعلى درجة عالية من الوداعة.

ضمن هذا السياق، تعتبر تقنية التأليب، إحدى أهم الوسائط المستعملة عادة في منهجية قلب الطاولة، المؤدية بالضرورة إلى تطويق الغير، محاصرته، وشحن فضاءاته بكل مستلزمات الكراهية، مع الاحتفاظ الشكلي، بالإطار المركزي الذي يوضع فيه هذا الغير، وهو المتعارف عليه بإطار التواصل والتسامح، لأن جوهر الإستراتيجية، يتحدد في تعميق مفارقة القبول الظاهري، والرفض المضمر. ومعلوم أن تقنية التأليب، غالبا ما تستند إلى وقوع انفلاتات أمنية عنيفة، تكون لها تداعياتها المباشرة، على المشهد الكوني، حيث تبادر إلى تضخيم الحدث، كي يأخذ شكل كارثة، كفيلة بتسليط شحنتها الصاعقة والأبدية على الفضاء المُدان. وهي شحنة غالبا ما تؤدي إلى إحراقه بالكامل، وتحويله بالتالي، إلى نموذج خطير وغرائبي ومرفوض على جميع المستويات الحضارية، وأيضا قابل لأن يباغتنا خلسة بظهوره في أي مكان آمن، وفي أي لحظة زمنية غير منتظرة، كي يتم تعميم الاتهام في نهاية المطاف، وبطريقة جد باردة ومحايدة، وأنيقة أيضا، على كافة الذوات المنتمية إلى فضاءاته، المحيلة إلى هوية مدعوة للمساءلة والاستنطاق، عبر توظيف شهادات مبطنة بروح الاستغراب، تقدم في حقه، من قبل كافة الفعاليات المنتمية إليه، باعتباره «الغير» الذي كان و- عن خطأ جسيم في التقييم-النموذج المثالي للسلم والاندماج. تعميم هذه الصورة، يحفز مكونات المنتظم الكوني، إلى احتمال تعميم الإدانة أيضا، على كل من لم يتورط من قبل في أي سوابق إرهابية، ذات بعد عرقي أو عقائدي. ومن المؤكد أن هذا التنابذ المأساوي، والقابل لأكثر من تأويل، يعود إلى تلك التفاوتات الملموسة، الكبيرة والمهولة، في تعاطي المجتمعات والشعوب عامة مع أولوياتها، بما يؤثر سلبا على سلاسة الحوار ومرونته، باعتبار أن ما يكون مركزيا بالنسبة لأمة ما، قد يكون جد هامشي بالنسبة للأخرى. ولعل تعطل لغة التواصل يعود إلى ذلك التباين المطلق، الحاضر في الخطابات المتمحورة حول هذه الاهتمامات والأولويات، سواء من حيث الدلالة، أو من حيث البناء والتركيب، وهو ما يؤدي إلى حضور تلك المراقبة الذاتية، إلى جانب المراقبة الغيرية. فما من خطاب إلا هو معرض لرقابة ما، التي قد تكون رقابة تَمَثُّلٍ وافتتان، يساهمان في إغناء الحوار، كما قد تكون رقابة نقد ومساءلة، تتجاوز حدودها الفكرية، إلى مجال المساءلة المخابراتية، حيث سيتعذر علينا، إنكار هذه الحروب الدائمة، الباردة والمستعرة، بين الخطابات، باعتبار أن كل خطاب هو في جوهره، صرخة في وجه خطاب الآخر، التي غالبا ما تكون مكتومة، وعلى هيئة نظرة باردة، ملقاة على إنصاتك المتوجَّسِ من طويته.

ولأن أفق الخطاب وديناميته، موجهان لتأمين إقامته في بقعة معينة من بقع الفضاء المحيط به، أو المزامن له، فإنه يعتبر ذاته ضحية جاهزة، أو مؤجلة لخطاب ما. فهذه الإقامة تستطيب بسط نفوذها على بقية الخطابات، إفراغها، تفنيدها، وبالتالي تأليب اللحظة عليها، من خلال الاستئثار بمركز البت والتلقي، الممهد للإلقاء بأقوالك، في مزبلة الإدانة.

ذلك هو واقع حال تواصل الخطابات، في هذا المنعطف التاريخي، أو اللاتاريخي الذي يمر به الكون، حيث تتمثل خصوصياته المركزية، في اجتراح مسالك الإثارة، الملحة على تفجير نوبات الاستعداءات المتبادلة، بما في ذلك صيغ التقريظ، خاصة أن الأمر يتعلق بانتزاع الحق في الوجود وفي الكينونة، مهما كان الثمن مأساويا، وعلى حساب نفي الغير وإقصائه. ذلك أن الخطاب هو خطاطة مقترح محتمل لصيغة وجود، تستحث كل الوسائل للانخراط في أسئلة تحققها، بصرف النظر عن مصداقية، أو لؤم هذه الوسائل الموظفة. وبما أن الخطاب هو خطاطة اختيار لكينونة ما ممكنة أو محتملة، فإن كلَّ محاولة للمسٍّ به، أو الطعن في عقلانيته، هي بمثابة تشكيك ضمني في هذه الكينونة، المستميتة على أن تأخذ سلفا، شكل مصير وقَدَرٍ. لذلك، فإن الخطاب – أي خطاب- غالبا ما يكون مبطنا بعدوانية تواصله الجاهزة، والمستعدة للإعلان عن حضورها، مرفقة بحكمتها وقناعاتها النظرية، التي يمكن إجمالها في مقولة ثابتة وراسخة، مفادها إحباط الشر المتوقع من تلك الجهة/الجهات، التي تدعي براءة وموضوعية تواصلها، مع كل ذات تحمل بصمة الآخر أو الغير.

   

الآخر في فضاءات اللامعقول اضافة تعليق

شكرا لك ..! سوف يتم عرض التعليق بعد التدقيق عليه من قبل المحرر .

  
 
خيارات متاحة

طباعة مقال المفضلة حفظ مقال تعليق
ارسال طباعة المفضلة تعليق حفظ

جديد المقالات
من الأرشيف

اقرأ ايضا
رئيس التحرير
د.لنا عبدالرحمن

© جميع الحقوق محفوظة لموقع نقطة ضوء 2005 - 2017
خدمة Rss   خريطة الموقع   التحرير

Powered by DevelopWay
برمجة وتصميم : طريق التطوير