التصويت
التصويت
كيف ترى أثر  الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟ كيف ترى أثر الربيع العربي على المستوى الثقافي ؟
- أدى الى تراجع الدور الثقافي
- لم يؤثر على الثقافة.
- ساهم في نهضة الثقافة


عدد المصوتين عدد المصوتين : 85
تصويت سابق تصويت سابق
أراء وكتاب
مقالات مختارة
  
الرئيسية الرئيسية » آراء حرة » حسن داود لا يرى طريقا إلى الجنة


حسن داود لا يرى طريقا إلى الجنة حسن داود لا يرى طريقا إلى الجنة

هيثم حسين (اسطنبول) الإثنين, 07-اكتوبر-2013   08:10 صباحا

حسن داود لا يرى طريقا إلى الجنة

يتبدّى التمرّد صادماً في رواية "لا طريق إلى الجنّة"، الصادرة حديثا عن دار "الساقي" للكاتب اللبنانيّ حسن داوود، الذي يصوّر في روايته شيخاً يتخلّى عن جبّته وعمامته، ويختار التصالح مع ذاته بالعودة إلى حالته الطبيعيّة التي ظلّ يقصيها ويهمّشها طيلة عقود.
تخلّي الشيخ غير المسمّى في رواية "لا طريق إلى الجنّة" عن زيّه التقليديّ المتمثّل بالجبّة والعمامة لا يعكس تمرّده الظاهريّ فقط، بل يأتي هذا التمرّد الظاهريّ كنتاج ونتيجة للتمرّد الداخليّ الحقيقيّ الذي ظلّ يمور في داخله، ويصْلي روحه ووجدانه، وذلك في صراعه المستعر بين أن يكون ذاته التي ينشدها ويريدها، أو ذاك الذي أريد ويراد له أن يكونه.
الشيخ المنحدر من سلالة من المشايخ، والذي اختير له أن يدرس الفقه في النجف ليستكمل المهمّة التي أوكلت إلى أجداده من قبله، والتي يفترض به أن يسلّمها لأبنائه من بعده، لا يلتزم بما التزم به والده وأجداده.
تخلّي الشيخ عن أزيائه المكبّلة لجسده وروحه لا يعني رجوعه إلى صباه، أو اختياره عيش مراهقة متأخّرة، ولم تتأتَّ جرّاء موقف أو نزوة أو مجازفة غير محسوبة، بل بدت أنّها خطوة محسوبة ومركّزة جاءت بعد تأنٍّ وانتصار للذات المهدورة أمام إرضاء الآخرين.
يأتي إلقاء الشيخ بـ "عدّته وعتاده" وتسليمه كتب والده للجامع وبعض المهتمّين كإيذان منه ببدء مرحلة جديدة مختلفة كلّ الاختلاف عن سابقاتها، مرحلة تختصر الطريق إلى جنّة المرء في تصالحه مع ذاته وعيشه في استقرار نفسيّ وجسديّ، بعيداً عن الكبت والقمع والقهر والتحايل على الذات.
ويأتي ذلك كلّه بعد عملية تصاعديّة، يحترق فيها الشيخ بنيرانه المتعاظمة في داخله، وبرعب التغيير المنشود، إذ يجد نفسه تائهاً بين الإقبال والإدبار، بين الإقدام والإحجام، ما إن يظنّ نفسه قد تجاوز بعض المسافة حتّى يعود إلى نقطة البداية، ينوس بين حالاته وتوتّراته وتردّده وحساباته.
المرض الذي يستهلّ به الراوي، وهو يصوّر حالته وخروجه من المشفى وضيق ذرعه بما هو فيه من اغتراب عن نفسه، وبعض جلده لذاته المستلبة، يمهّد للتغيير الحتميّ الذي تنطلق شرارته مع المرض، ثمّ تكبر دائرته حين يتم استئصال بعض الأعضاء من جسمه، وإخبار الطبيب له بأنّ ذلك سينعكس على أداء جسده لبعض وظائفه المهمّة.
ربّما يوحي سلوكه المتمرّد بالتخلّي عن تركة سابقيه بأنّه يتخلّى عن التلد والولد معاً، ولاسيّما أنّه سليل مجد غابر، ولم يفلح في إنجاب أطفال أصحّاء، بل كان لديه ولدان أخرسان؛ "أحمد وأيمن" يعيشان تيهاً مركّباً وغربة مضاعفة، ويأتي مرض أكبرهما؛ أحمد، اللاحق كإنذار الانتهاء من مشقّة الإعاقة ورتابة الحياة والرضى بالمكتوب بعد التمرّد عليه، ومحاولة تغييره. وكذلك تكون زوجته غريبة عنها وتأتي علاقته مع ابنته الوحيدة هبة كأنّها مدماك واقعه ومرتكز استمراره مرتبطاً بأسرته.
الشيخ المتمرّد على تاريخه وواقعه لا يستسلم ولا يسلّم بما أُرْغَم عليه، يكابد آثار ما ينهشه، يكسر قيوده الظاهرة، ويحطّم الأغلال التي تكبّل روحه، ينطلق في البحث عن جنّته حين يقنط من انعدام الطرق إلى الجنان المتخيّلة. رأى أن جنّته تكون بتصالحه مع ذاته وجسده، وأن يعيش لنفسه، دون أن يعني ذلك الغرق في أوحال الأنانيّة، بل اختيار الحدّ الأدنى من استحقاقات ذاته عليه، وهو الذي ظلّ يعاني من فقده لخصوصيّته وارتهانه للواجبات الاجتماعيّة والمظاهر الدينيّة.
الحيّز المكانيّ في الرواية مقتصر على بضعة أماكن محدّدة، "الشقيفيّة، العبّانية، بيروت.."، مع إشارات وتلميحات إلى أمكنة أخرى تكمّل المشاهد والمواقف، لكنّ الاشتغال الأهمّ يتركّز على سبر دواخل الشخصيّات والغوص في أعماقها.
يفسح داوود المجال لشيخه كي يعبّر عن ذاته، يترك له اختيار طريقه وطريقته معاً، لا يقيّده بقيود السارد الكلّيّ العليم، ولا الغائب المحتجب. ويكتشف الشيخ في ذاته جوانب لم يكن يلتفت إليها ولو يكن يوليها الاهتمام المطلوب، ينبض قلبه بشغفه بأرملة أخيه التي تبادله الاهتمام بتحفّظ، ثمّ يكون التدرّج في إزاحة النقاب عن حقيقة الذات، بعيداً عن مرايا الآخرين وأحكامهم المسبقة، والتبشير بالعثور على حقيقته، ويكون ذلك بالتواطؤ من قبل بلال ابن أخيه معه، وتمهيده طريق عمّه إلى أمّه.
ربّما يتقاطع الشيخ الذي نُفِخ فيه في طفولته ليصبح أكبر من عمره وما يوحيه شكله، وعاد ليختار ما يرغبه لنفسه، مع حالات تمرّد واقعيّة أو متخيّلة، لكنّ الأبرز في ذلك، تحدّي الشخصيّة المعلن وتمرّده المطلق في اللحظة التي يُظنّ بأنّها قد تكون لحظة التعقّل والرشد.
يختار لنفسه ما كان يجب أن يعيشه، لا ما عاشه بناء على رغبة والده له، وتقديمه كبديل لأخيه ليناط بعهدته دور إكمال المشيخة، للاحتفاظ بالمكانة الاعتباريّة، والنهوض بأعباء التاريخ والواقع والمستقبل.
الفضاء المحدود والمقيّد ظاهريّاً في الرواية، يقابله انفتاح غير محدود على الذات وأغوارها والنفس ومجاهداتها، وعلاقات المرء مع نفسه والمحيطين به، بحيث يكون التبحّر في براكين الذات المتمرّدة ورسم اضطراباتها وتوتّراتها واقتفاء تمرّدها البؤر الروائيّة التي أبدعها الكاتب وبرع في رصد تشابكاتها.

   

حسن داود لا يرى طريقا إلى الجنة اضافة تعليق

  
 
خيارات متاحة

طباعة مقال المفضلة حفظ مقال تعليق
ارسال طباعة المفضلة تعليق حفظ

جديد المقالات
من الأرشيف

اقرأ ايضا
رئيس التحرير
د.لنا عبدالرحمن

© جميع الحقوق محفوظة لموقع نقطة ضوء 2005 - 2017
خدمة Rss   خريطة الموقع   التحرير

Powered by DevelopWay
برمجة وتصميم : طريق التطوير